ابن رشد
100
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
كتاب الاحداد أجمع المسلمون على أن الاحداد واجب على النساء الحرائر المسلمات في عدة الوفاة إلا الحسن وحده . واختلفوا فيما سوى ذلك من الزوجات ، وفيما سوى عدة الوفاة ، وفيما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع ، فقال مالك : الاحداد على المسلمة والكتابية والصغيرة والكبيرة . وأما الأمة يموت عنها سيدها سواء كانت أم ولد أولم تكن فلا إحداد عليها عنده ، وبه قال فقهاء الأمصار . وخالف قول مالك المشهور في الكتابية ابن نافع وأشهب ، وروياه عن مالك ، وبه قال الشافعي : أعني أنه لا إحداد على الكتابية ، وقال أبو حنيفة : ليس على الصغيرة ولا على الكتابية إحداد ، وقال قوم : ليس على الأمة المزوجة إحداد ، وقد حكي ذلك عن أبي حنيفة . فهذا هو اختلافهم المشهور فيمن عليه إحداد من أصناف الزوجات ممن ليس عليه إحداد . وأما اختلافهم من قبل العدد فإن مالكا قال : لا إحداد إلا في عدة الوفاة . وقال أبو حنيفة والثوري : الاحداد في العدة من الطلاق البائن واجب ، وأما الشافعي فاستحسنه للمطلقة ولم يوجبه . وأما الفصل الثالث وهو ما تمتنع الحادة منه مما لا تمتنع عنه ، فإنها تمتنع عند الفقهاء بالجملة من الزينة الداعية للرجال إلى النساء ، وذلك كالحلي والكحل - إلا ما لم تكن فيه زينة - ولباس الثياب المصبوغة إلا السواد ، فإنه لم يكره مالك لها لبس السواد ، ورخص كلهم في الكحل عند الضرورة ، فبعضهم اشترط فيه ما لم يكن فيه زينة ، وبعضهم لم يشترطه ، وبعضهم اشترط جعله بالليل دون النهار . وبالجملة ، فأقاويل الفقهاء فيما تجتنب الحادة متقاربة ، وذلك ما يحرك الرجال بالجملة إليهن . وإنما صار الجمهور لايجاب الاحداد في الجملة لثبوت السنة بذلك عن رسول الله ( ص ) . فمنها حديث أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأة جاءت إلى رسول الله ( ص ) فقالت : يا رسول الله . . إن ابنتي توفي عنها زوجها ، وقد اشتكت عينيها أفتكتحلهما ، فقال رسول الله ( ص ) : لا ، مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يقول لها لا ، ثم قال : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول . وقال أبو محمد فعلى هذا الحديث يجب التعويل على القول بإيجاب الاحداد . وأما حديث أم حبيبة حين دعت بالطيب فمسحت به عارضيها ، ثم قالت : والله ما لي به من حاجة غير أني سمعت رسول الله ( ص ) يقول لا يحل لامرأة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت